ملا محمد مهدي النراقي
243
جامع الأفكار وناقد الأنظار
وجوده لو كان زمانيا لزم أن يكون قبل كلّ زمان لا إلى نهاية ويلزم القدم . والزمان الموهوم - الّذي اثبته الأشاعرة - قبل وجود العالم غير صحيح عند المحصّلين من المتكلّمين - ومنهم المحقّق الطوسي - كما يظهر من تصفّح كلامهم . وقد أورد على ما نقلناه من بعض المحشين أيضا بأنّ ما ذكره من أنّ تقدّم العدم على الوجود ليس ذاتيا ولا طبيعيا ممنوع عند الحكماء - كما صرّحوا به في اثبات الحدوث الذاتي - ؛ وقد أجاب عنه بعض الأفاضل : بأنّ مراده ليس تقدّم عدم العالم على وجوده تقدّما ذاتيا لا انّه لا يمكن تقدّم العدم على الوجود تقدّما ذاتيا أصلا ، فاندفع المنع الّذي ذكره . على أنّ فيما ذكره الحكماء في اثبات الحدوث الذاتي من تقدّم عدم الممكن على وجوده تقدّما ذاتيا البتة تأمّل ؛ انتهى . أقول : غرض المجيب انّ المراد انّ تقدّم عدم العالم على وجوده ليس مجرّد التقدّم الذاتي ، بل لا بدّ على طريقة الملّة من اثبات تقدّم يحصل به الانفكاك ، فمجرّد امكان كون تقدّم العدم على الوجود تقدّما ذاتيا لا ينفع في المقام . وعلى ما ذكرناه من كون العدم السابق بحيث لو فرض فيه الزمان لكان غير متناه ومن تحقّق الانفكاك الواقعي بين مرتبة الواجب ومرتبة العالم يندفع الشبهات ويحصل المراد . وبما ذكر يظهر أيضا فساد ما ذكره بعض الأفاضل بأنّ الظاهر - كما يستفاد / 55 MA / من كلام الشيخ رحمه اللّه في بحث الأمور العامة - انّ مراد المحقّق الطوسي من البعدية هاهنا هو البعدية بالذات الّتي أثبتها المتكلّمون وجعلوها / 52 DA / قسما سادسا ، وزعموا أنّ تقدّم اجزاء الزمان بعضها على بعض من هذا القبيل . لكن التحقيق انّه لا محصّل له . إذ لا نجد له معنى معقولا سوى الخمسة . بل الظاهر انّه تقدّم بالزمان ، فانّ ذلك التقدّم إذا عرض لغير الزمان كان بواسطة زمان مغاير للسابق والمسبوق ، وإن عرض لأجزاء الزمان لم يحتج إلى زمان مغاير لها ، وان عرض للزمان وغيره لا بدّ أن يكون لذلك الغير زمان ؛ وأمّا الزمان فلا يحتاج إلى زمان آخر . وحينئذ فعدم العالم يجب أن يكون في زمان ، لكن يكفي فيه الزمان الموهوم ؛ انتهى .